مقال

الوساطة في سلطنة عُمان بعد اتفاقية سنغافورة: من التسوية الودية إلى عدالة جاذبة للاستثمار

نشر في 25|08|2026 0 قراءة
الوساطة في سلطنة عُمان بعد اتفاقية سنغافورة: من التسوية الودية إلى عدالة جاذبة للاستثمار
د. أيمن بن محمد بن حارب البلوشي
قاضٍ وباحث في القانون

لم تعد كفاءة القضاء تقاس بالفصل في المنازعات فقط، بل بقدرته أيضًا على توفير حلول سريعة وعادلة قبل تحول النزاع إلى خصومة طويلة.

وتأتي الوساطة خيارًا مكملًا للقضاء، يقوم على الحوار والتفاوض، مع بقاء القضاء ضامنًا للحقوق والتنفيذ.

وفي سلطنة عُمان، ازدادت أهمية الوساطة بعد صدور المرسوم السلطاني رقم (6/2026) بالموافقة على الانضمام إلى اتفاقية سنغافورة بشأن الوساطة، بما يعزز دورها في التجارة والاستثمار الدوليين.

أولًا: أساس وطني قائم

لم تبدأ عُمان من الصفر؛ فقد وضع قانون التوفيق والمصالحة بالمرسوم السلطاني رقم (98/2005) إطارًا للتسوية الودية.

فاللجوء إلى لجان التوفيق والمصالحة اختياري ومرن، ويجوز لها الاستعانة بالخبراء. ويعد محضر الصلح، وفق المادة (15)، سندًا تنفيذيًا ينفذ كالأحكام القضائية النهائية.

كما تنص المادة (17) على أن طلب التسوية يقطع مواعيد سماع الدعاوى ومدد التقادم.

ثانيًا: الوساطة والتوفيق

تختلف الوساطة الحديثة عن التوفيق والمصالحة في بعض التفاصيل، لكنها تشترك معها في تشجيع الحلول الودية.

فالوسيط محايد يساعد الأطراف على التواصل والتفاوض دون فرض حل عليهم. وتبرز أهمية الوساطة في العقود طويلة الأجل، والمشروعات الاستثمارية، والشراكات، والمنازعات المصرفية والتأمينية، حيث قد يكون الحفاظ على العلاقة التجارية أهم من تحقيق انتصار كامل.

ثالثًا: اتفاقية سنغافورة

كان تنفيذ اتفاقات التسوية الدولية من أبرز تحديات الوساطة التجارية.

وتوفر اتفاقية سنغافورة إطارًا للاعتراف باتفاقات التسوية الناتجة عن الوساطة وتنفيذها وفق شروطها، مما يجعل الوساطة أكثر جاذبية للمستثمرين والشركات الدولية.

رابعًا: دلالة انضمام عُمان

وافقت السلطنة على الانضمام إلى الاتفاقية بموجب المرسوم السلطاني رقم (6/2026)، وأودعت وثيقة الانضمام لدى الأمم المتحدة في 10 مارس 2026، على أن تدخل حيز النفاذ بالنسبة إليها في 10 سبتمبر 2026.

ولا تقتصر أهمية الانضمام على تسهيل التنفيذ، بل تتطلب تطوير منظومة الوساطة الوطنية وجاهزيتها المؤسسية.

خامسًا: الجاهزية المؤسسية

يمثل قانون التوفيق والمصالحة أساسًا مهمًا، لكن البيئة التجارية تحتاج إلى تنظيم أكثر تخصصًا للوساطة، خاصة في المنازعات المعقدة.

وتشمل الجاهزية وضوح الاختصاصات، وتأهيل الوسطاء، وإنشاء مراكز متخصصة، واعتماد معايير مهنية، وتوفير البنية الرقمية والإدارية اللازمة، مع تنظيم السرية والحياد والاستقلال وتعارض المصالح.

كما يلزم تعزيز التنسيق بين القضاء والجهات الإدارية ومراكز الوساطة، ووضع آليات واضحة للإحالة والمتابعة والتقييم، وإتاحة الوساطة المرتبطة بالقضاء بعد إقامة الدعوى، مع بقاء الإشراف القضائي.

سادسًا: الوساطة والاستثمار

يهتم المستثمر بمدة النزاع وتكلفته، وتوافر وسائل متخصصة لحله، وإمكان تنفيذ النتيجة خارج الدولة.

لذلك تعد الوساطة جزءًا من البنية القانونية للاستثمار، إلى جانب القضاء والتحكيم. ويمنح الانضمام إلى اتفاقية سنغافورة عُمان فرصة مهمة، لكنه يرفع التوقعات بشأن جاهزيتها المؤسسية وتقديم خدمات وساطة موثوقة.

خاتمة

يمثل انضمام سلطنة عُمان إلى اتفاقية سنغافورة خطوة مهمة في تطوير العدالة التجارية والبيئة الاستثمارية.

ومع وجود أساس وطني للتسوية الودية، تستطيع السلطنة بناء منظومة وساطة متكاملة، مؤهلة، مرتبطة بالقضاء، واضحة القواعد، وقابلة للتنفيذ دوليًا.

ولا تستبدل الوساطة القضاء، بل تكمله ضمن عدالة متعددة المسارات، يوجَّه فيها كل نزاع إلى الآلية الأنسب لطبيعته، بما يعزز الثقة والسرعة وجودة التسويات ومكانة عُمان مركزًا إقليميًا جاذبًا للاستثمار. فإلى أي مدى أصبحت المؤسسات العُمانية جاهزة لتنفيذ اتفاقية سنغافورة؟