حين يكون العفو أبلغ من العقاب
التسامح في القضايا البسيطة… مساحة للإنسان قبل أن تكون تنازلًا عن حق
ليست كل خصومة جديرة بأن تمتد، ولا كل إساءة تستحق أن تتحول إلى عداوة، ولا كل خطأ ينبغي أن يبقى أثره حاضرًا في حياة الناس إلى ما لا نهاية.
ففي تفاصيل الحياة اليومية قد تنشأ خلافات من كلمة قيلت في لحظة غضب، أو تصرف عابر أسيء فهمه، أو مشادة لم يحسن أطرافها ضبط انفعالاتهم، فتبدأ الواقعة صغيرة، ثم تكبر شيئًا فشيئًا حين يدخلها العناد والرغبة في الانتصار للنفس، حتى يجد الطرفان نفسيهما في خصومة لم يكن أي منهما يتصور أن تصل إلى أبواب المحاكم.
ولا خلاف في أن القانون وُجد لحماية الحقوق، وأن من حق الإنسان أن يلجأ إلى القضاء حين يقع عليه اعتداء أو ظلم، فسيادة القانون ضمانة لا غنى عنها للمجتمع. لكن ثمة فارقًا بين التمسك بالحق، وبين تحويل كل خلاف بسيط إلى معركة طويلة لا تنتهي إلا وقد استنزفت وقت أطرافها ومشاعرهم وعلاقاتهم.
وفي القضايا البسيطة على وجه الخصوص، قد يكون التسامح أحيانًا أكثر حكمة من الاستمرار في الخصومة، وقد يكون العفو أبلغ أثرًا من العقوبة.
فالعفو لا يعني إنكار الخطأ، ولا يعني أن الفعل أصبح مقبولًا، كما أنه لا ينتقص من حق المجني عليه ولا من كرامته؛ وإنما قد يكون قرارًا واعيًا يصدر ممن يملك حقه، بعد أن يدرك أن الغاية التي ينشدها قد تتحقق باعتذار صادق، أو إصلاح للضرر، أو تعهد بعدم التكرار، دون حاجة إلى أن تبقى الخصومة مفتوحة.
إن بعض القضايا تنتهي بحكم قضائي، ولكن آثارها الاجتماعية قد تبقى سنوات.
قد يكون الخصمان قريبين أو جارين أو زميلين، وقد تجمعهما بيئة واحدة يصعب فيها أن تنتهي العلاقة بمجرد انتهاء الدعوى. ولهذا فإن إنهاء النزاع بالتراضي متى كان ذلك ممكنًا لا يحسم ملفًا قانونيًا فحسب، وإنما قد يعيد علاقة، ويحفظ أسرة، ويطفئ خصومة، ويحول دون أن يمتد خلاف محدود إلى دوائر أوسع من الكراهية والقطيعة.
والتسامح في موضعه ليس ضعفًا.
فالإنسان قد يستطيع المضي في خصومته إلى نهايتها، ومع ذلك يختار أن يعفو. وقد يكون قادرًا على المطالبة بالعقوبة، لكنه يرى أن فرصة الإصلاح أجدى. وهنا يصبح العفو تعبيرًا عن قوة داخلية وعن قدرة على تجاوز الرغبة في الانتقام، لا تنازلًا عن الكرامة.
ولا يعني ذلك الدعوة إلى التساهل مع الجرائم الجسيمة، أو الأفعال التي تهدد أمن المجتمع أو سلامة أفراده أو حقوق الفئات الأضعف، فهذه لها اعتباراتها المختلفة، والمصلحة العامة قد تقتضي فيها المساءلة والحزم. وإنما الحديث عن تلك الوقائع البسيطة التي تنشأ بين الأفراد، ويكون جانب كبير منها وليد الانفعال وسوء التقدير، ويظل باب الإصلاح فيها ممكنًا.
وفي مثل هذه الوقائع، ينبغي أن يبقى السؤال حاضرًا:
ما الذي نريده في نهاية الخصومة؟
هل نريد إصلاح الضرر، أم إيذاء الطرف الآخر؟
هل نريد استرداد حقنا، أم أن يتحول النزاع إلى وسيلة للانتقام؟
وهل ستجعلنا نهاية القضية أكثر راحة، أم سنكتشف بعد زمن أن ما خسرناه بسبب الخصومة كان أكبر مما اختلفنا عليه ابتداءً؟
إن ثقافة التسامح لا تلغي القانون، بل تعمل في المساحة التي يتركها القانون لإرادة الإنسان وحكمته. والمجتمع الذي يعرف أفراده متى يلجؤون إلى القضاء، ويعرفون كذلك متى يتصالحون ومتى يعفون، هو مجتمع أكثر نضجًا في التعامل مع الخلافات.
ولعل من أجمل صور العدالة أن ينال الإنسان حقه، ثم يملك من سعة النفس ما يجعله لا يحول هذا الحق إلى وسيلة لإيذاء غيره.
فكم من خصومة أطفأها اعتذار، وكم من قضية كان يمكن ألا تبدأ لو انتصر أحد الطرفين على غضبه قبل أن يحاول الانتصار على خصمه، وكم من إنسان أخطأ مرة، ثم كان العفو عنه سببًا في ألا يكرر خطأه مرة أخرى.
والحياة أقصر من أن نحمل في طرقاتها كل خصومة، وأوسع من أن تضيق بكلمة قيلت ثم ندم صاحبها عليها.
وقد تكون العدالة في بعض المواقف أن يُحاسب المخطئ، ولكن الرحمة في مواقف أخرى قد تكون أن نمنحه فرصة ليصلح ما أفسده.
وبين العدالة والرحمة مساحة واسعة اسمها التسامح.
فيها لا يضيع الحق، ولا يُهان صاحبه، وإنما ينتصر الإنسان على الخصومة قبل أن تنتصر الخصومة عليه.
التسامح في القضايا البسيطة… مساحة للإنسان قبل أن تكون تنازلًا عن حق
ليست كل خصومة جديرة بأن تمتد، ولا كل إساءة تستحق أن تتحول إلى عداوة، ولا كل خطأ ينبغي أن يبقى أثره حاضرًا في حياة الناس إلى ما لا نهاية.
ففي تفاصيل الحياة اليومية قد تنشأ خلافات من كلمة قيلت في لحظة غضب، أو تصرف عابر أسيء فهمه، أو مشادة لم يحسن أطرافها ضبط انفعالاتهم، فتبدأ الواقعة صغيرة، ثم تكبر شيئًا فشيئًا حين يدخلها العناد والرغبة في الانتصار للنفس، حتى يجد الطرفان نفسيهما في خصومة لم يكن أي منهما يتصور أن تصل إلى أبواب المحاكم.
ولا خلاف في أن القانون وُجد لحماية الحقوق، وأن من حق الإنسان أن يلجأ إلى القضاء حين يقع عليه اعتداء أو ظلم، فسيادة القانون ضمانة لا غنى عنها للمجتمع. لكن ثمة فارقًا بين التمسك بالحق، وبين تحويل كل خلاف بسيط إلى معركة طويلة لا تنتهي إلا وقد استنزفت وقت أطرافها ومشاعرهم وعلاقاتهم.
وفي القضايا البسيطة على وجه الخصوص، قد يكون التسامح أحيانًا أكثر حكمة من الاستمرار في الخصومة، وقد يكون العفو أبلغ أثرًا من العقوبة.
فالعفو لا يعني إنكار الخطأ، ولا يعني أن الفعل أصبح مقبولًا، كما أنه لا ينتقص من حق المجني عليه ولا من كرامته؛ وإنما قد يكون قرارًا واعيًا يصدر ممن يملك حقه، بعد أن يدرك أن الغاية التي ينشدها قد تتحقق باعتذار صادق، أو إصلاح للضرر، أو تعهد بعدم التكرار، دون حاجة إلى أن تبقى الخصومة مفتوحة.
إن بعض القضايا تنتهي بحكم قضائي، ولكن آثارها الاجتماعية قد تبقى سنوات.
قد يكون الخصمان قريبين أو جارين أو زميلين، وقد تجمعهما بيئة واحدة يصعب فيها أن تنتهي العلاقة بمجرد انتهاء الدعوى. ولهذا فإن إنهاء النزاع بالتراضي متى كان ذلك ممكنًا لا يحسم ملفًا قانونيًا فحسب، وإنما قد يعيد علاقة، ويحفظ أسرة، ويطفئ خصومة، ويحول دون أن يمتد خلاف محدود إلى دوائر أوسع من الكراهية والقطيعة.
والتسامح في موضعه ليس ضعفًا.
فالإنسان قد يستطيع المضي في خصومته إلى نهايتها، ومع ذلك يختار أن يعفو. وقد يكون قادرًا على المطالبة بالعقوبة، لكنه يرى أن فرصة الإصلاح أجدى. وهنا يصبح العفو تعبيرًا عن قوة داخلية وعن قدرة على تجاوز الرغبة في الانتقام، لا تنازلًا عن الكرامة.
ولا يعني ذلك الدعوة إلى التساهل مع الجرائم الجسيمة، أو الأفعال التي تهدد أمن المجتمع أو سلامة أفراده أو حقوق الفئات الأضعف، فهذه لها اعتباراتها المختلفة، والمصلحة العامة قد تقتضي فيها المساءلة والحزم. وإنما الحديث عن تلك الوقائع البسيطة التي تنشأ بين الأفراد، ويكون جانب كبير منها وليد الانفعال وسوء التقدير، ويظل باب الإصلاح فيها ممكنًا.
وفي مثل هذه الوقائع، ينبغي أن يبقى السؤال حاضرًا:
ما الذي نريده في نهاية الخصومة؟
هل نريد إصلاح الضرر، أم إيذاء الطرف الآخر؟
هل نريد استرداد حقنا، أم أن يتحول النزاع إلى وسيلة للانتقام؟
وهل ستجعلنا نهاية القضية أكثر راحة، أم سنكتشف بعد زمن أن ما خسرناه بسبب الخصومة كان أكبر مما اختلفنا عليه ابتداءً؟
إن ثقافة التسامح لا تلغي القانون، بل تعمل في المساحة التي يتركها القانون لإرادة الإنسان وحكمته. والمجتمع الذي يعرف أفراده متى يلجؤون إلى القضاء، ويعرفون كذلك متى يتصالحون ومتى يعفون، هو مجتمع أكثر نضجًا في التعامل مع الخلافات.
ولعل من أجمل صور العدالة أن ينال الإنسان حقه، ثم يملك من سعة النفس ما يجعله لا يحول هذا الحق إلى وسيلة لإيذاء غيره.
فكم من خصومة أطفأها اعتذار، وكم من قضية كان يمكن ألا تبدأ لو انتصر أحد الطرفين على غضبه قبل أن يحاول الانتصار على خصمه، وكم من إنسان أخطأ مرة، ثم كان العفو عنه سببًا في ألا يكرر خطأه مرة أخرى.
والحياة أقصر من أن نحمل في طرقاتها كل خصومة، وأوسع من أن تضيق بكلمة قيلت ثم ندم صاحبها عليها.
وقد تكون العدالة في بعض المواقف أن يُحاسب المخطئ، ولكن الرحمة في مواقف أخرى قد تكون أن نمنحه فرصة ليصلح ما أفسده.
وبين العدالة والرحمة مساحة واسعة اسمها التسامح.
فيها لا يضيع الحق، ولا يُهان صاحبه، وإنما ينتصر الإنسان على الخصومة قبل أن تنتصر الخصومة عليه.
