بقلم فضيلة القاضي | هاشم بن مسعود بن محمد الراشدي
الحَمْدُ للهِ الَّذِي رَفَعَ قَدْرَ العُلَمَاءِ العَامِلِينَ، وَجَعَلَهُمْ وَرَثَةَ الأَنْبِيَاءِ المُرْسَلِينَ، القَائِلِ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، إِمَامِ القُضَاةِ العَادِلِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ مِنْ حَقِّ أَهْلِ الفَضْلِ عَلَيْنَا أَنْ نَذْكُرَهُمْ بِالخَيْرِ، وَنَنْشُرَ مَآثِرَهُمْ، وَنَدْعُوَ لَهُمْ، عَمَلاً بِقَوْلِ المُصْطَفَى ﷺ: «مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفاً فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ»، وَإِنَّ مِمَّنْ حَقَّ عَلَيْنَا الوَفَاءُ لَهُ وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ: فَضِيلَةَ الشَّيْخِ العَلَّامَةِ القَاضِيَ العَادِلَ والمُرَبِّيَ الجليل/ سَيْفَ بْنَ حَمَدِ بْنِ شَيْخَانَ الأَغْبَرِيَّ - تَغَمَّدَهُ اللهُ بِوَاسِعِ رَحْمَتِهِ وَرِضْوَانِهِ - وهو أحد أبرز علماء عمان وقضاتها الكبار في القرن الرابع عشر الهجري، وقد تقلد منصبي الولاية والقضاء في عهد الإمامين الخروصي والخليلي - رحمهما الله -، وكذلك في عهد السلطان سعيد بن تيمور، وسأذكر في هذا المقال القصير بعضا من مآثره وسيرته العطرة في ثلاث نقاط كالتالي:-
أَوَّلاً: جِهَادُهُ فِي نَشْرِ العِلْمِ النَّافِعِ:
لَقَدْ كَانَ الشَّيْخُ -رَحِمَهُ اللهُ- عَلَماً مِنْ أَعْلَامِ العِلْمِ، وَمَنَارَاً يُهْتَدَى بِهَ فِي دَيَاجِيرِ الجَهْلِ، بَذَلَ عُمْرَهُ المُبَارَكَ فِي تَعْلِيمِ النَّاسِ أُمُورَ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، فَكَانَ مَجْلِسُهُ مَدْرَسَةً تَتَفَجَّرُ مِنْهَا يَنَابِيعُ الحِكْمَةِ وَالفِقْهِ، ولَمْ يَدَّخِرْ وُسْعاً فِي بَثِّ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ الأَصِيلِ، مُتَّبِعاً مَنْهَجَ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي التَّأْصِيلِ وَالتَّيْسِيرِ، فَانْتَفَعَ بِعِلْمِهِ القَاصِي وَالدَّانِي، وَخَرَّجَ أَجْيَالاً مِنْ طَلَبَةِ العِلْمِ حَمَلُوا عَنْهُ الأَمَانَةَ وَأَدَّوْهَا، وفي سبيل ذلك دوّن العديد من الكتب الفقهية نظما ونثرا، وهي شاهدة على غزير علمه وعمق فهمه، ومن هذه المؤلفات: 1- فتح الأكمام عن الورد البسام، 2- عقد الدر المنظوم في الفقه والأدب والعلوم، 3- عقد اللآلئ السنية في الأجوبة النثرية، 4- البدر السافر في أحكام صلاة المسافر، 5- فتح الرحمن في الكفارات والأيمان.
وَكَانَت مؤلفاته ودروسه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- تَجْمَعُ بَيْنَ دِقَّةِ الفَقِيهِ، وَبَلَاغَةِ الأَدِيبِ، وَحِلْمِ المُرَبِّي، فَيُقَرِّبُ المَسَائِلَ العَوِيصَةَ بِأُسْلُوبٍ سَهْلٍ مُمْتَنِعٍ، وَيَغْرِسُ فِي نُفُوسِ تَلَامِيذِهِ تَقْوَى اللهِ وَالوَرَعَ قَبْلَ المَسَائِلِ وَالأَحْكَامِ، عَالِماً أَنَّ العِلْمَ بِلَا عَمَلٍ كَالشَّجَرِ بِلَا ثَمَرٍ.
ثَانِياً: إِقَامَتُهُ لِلْعَدْلِ وَالحَقِّ بَيْنَ النَّاسِ:
تَوَلَّى فَضِيلَتُهُ مَنْصِبَ القَضَاءِ، فَكَانَ فِيهِ نِعْمَ القَاضِي العَدْلُ الَّذِي يَخْشَى اللهَ وَلَا يَخْشَى فِي الحَقِّ لَوْمَةَ لَائِمٍ، جَعَلَ العَدْلَ رَائِدَهُ، وَتَقْوَى اللهِ مِيزَانَهُ، فَأَنْصَفَ المَظْلُومَ، وَرَدَعَ الظَّالِمَ، وَأَصْلَحَ ذَاتَ البَيْنِ، فكَانَتْ أَحْكَامُهُ تَتَّسِمُ بِالرُّسُوخِ الفِقْهِيِّ، وَالمَعْرِفَةِ بِوَاقِعِ النَّاسِ، وَالنَّظَرِ فِي المَآلَاتِ، وما تقتضيه سياسة الحكم بين الناس، فَسَكَنَتْ إِلَيْهَا النُّفُوسُ، وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهَا القُلُوبُ، وهناك قضايا ومواقف عديدة وقعت تشهد له بذلك.
وَمَا أَحْوَجَ الأُمَّةَ فِي كُلِّ زَمَانٍ إِلَى أَمْثَالِ هَذَا الطِّرَازِ مِنَ القُضَاةِ الَّذِينَ يَجْمَعُونَ بَيْنَ العِلْمِ الغَزِيرِ، وَالوَرَعِ الشَّدِيدِ، وَالهَيْبَةِ فِي غَيْرِ تَجَبُّرٍ، وَاللِّينِ فِي غَيْرِ ضَعْفٍ، وسرعة اتخاذ القرار بحزم وعزم بعد النظر والتفكّر والتأني فيما يحتاج لذلك بإدراك لتداعيات الحكم وآثاره ونتائجه الحالية والمستقبلية، والفردية والمجتمعية، فَلَقَدْ كَانَ - رَحِمَهُ اللهُ - مِصْدَاقاً لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: *«القُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: اثْنَانِ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الجَنَّةِ: رَجُلٌ عَلِمَ الحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الجَنَّةِ»*²، نَحْسَبُهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ وَلَا نُزَكِّي عَلَى اللهِ أَحَداً.
ثَالِثاً: سَجَايَاهُ الحَمِيدَةُ وَأَخْلَاقُهُ الكَرِيمَةُ:
لَمْ يَكُنْ عَطَاءُ الشَّيْخِ مَقْصُوراً عَلَى مَجَالِسِ العِلْمِ وَالقَضَاءِ، بَلْ كَانَ أَباً حَانِياً، وَمُوَجِّهاً نَاصِحاً، وَمُصْلِحاً اجْتِمَاعِيّاً، عُرِفَ بِالتَّوَاضُعِ الجَمِّ، وَالكَرَمِ الحَاتِمِيِّ، وَالبِشْرِ فِي وُجُوهِ النَّاسِ، وكَانَ بَيْتُهُ مَفْتُوحاً لِلسَّائِلِ وَالمُسْتَفْتِي وَصَاحِبِ الحَاجَةِ، لَا يَرُدُّ قَاصِداً، وَلَا يُخَيِّبُ رَاجِياً، فَجَمَعَ اللهُ لَهُ بَيْنَ مَحَبَّةِ الخَاصَّةِ وَالعَامَّةِ.
ومن القصص العجيبة التي تروى عنه رحمه الله، والتي تدل على إيمانه ويقينه القوي بالله تعالى، واهتمامه بشأن الناس في الشدائد، وهو ما حدث بولاية دماء والطائيين في سنة 1341 للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، حيث تفشى مرض الطاعون بين الناس، وظل قرابة الستة أشهر يفتك فيهم، فمات ما يقرب من أربعمائة نسمة، فدعا الشيخ رحمه الله الناس إلى الخروج بصدقاتهم، فصلى بهم وخطب واعظا، ثم دعا الله طويلا أن يرفع الله عنهم البلاء والمرض، فاستجاب الله لهم ورفع عنهم البلاء.
خَاتِمَةٌ وَدُعَاءٌ
وبيوم الاثنين 22 من شهر ذي القعدة لعام 1380 للهجرة النبوية الموافق 8 مايو لعام ١٩٦١ للميلاد توفي الشيخ بعد عمر ناهز السبعين عاما، تاركا آثارا عظيمة ستبقى شاهدة عليه ينال أجرها وثوابها عند الله حتى قيام الساعة، فقد رحل الشيخ رحمه الله ببدنه، وذكراه ما تزال باقية ولله در القائل:
حيٌّ وإن مات ذو علم وذو ورع
ما مات عبدٌ قضى من ذاك أوطارا
وفي الختام نسأل الله العلي القدير الحَيُّ قَيُّومُ، ذي الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ أن يرحم الشَّيْخَ رَحْمَةً وَاسِعَةً، وَيغْفِرَ لَهُ، وَيعفوَ عَنْهُ، وَيكْرِمَ نُزُلَهُ، وَيوَسِّعَ مُدْخَلَهُ، وَيجْعَلَ قَبْرَهُ رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، اللَّهُمَّ اجْزِهِ عَنِ الإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ خَيْرَ الجَزَاءِ، وَاجْعَلْ مَا قَدَّمَهُ مِنْ عِلْمٍ نَافِعٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ فِي مِيزَانِ حَسَنَاتِهِ، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة يا رب العالمين، وَتَقَبَّلْهُ فِي الصَّالِحِينَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي عِلِّيِّينَ، مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً
اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي ذُرِّيَّتِهِ وَعَقِبِهِ، وَاجْعَلْهُمْ خَيْرَ خَلَفٍ لِخَيْرِ سَلَفٍ، وَأَنْبِتْهُمْ نَبَاتاً حَسَناً، وَاجْعَلْهُمْ هُدَاةً مُهْتَدِينَ، غير ضالين ولا مضلين، وَارْزُقْهُمُ العِلْمَ النَّافِعَ وَالعَمَلَ الصَّالِحَ، وَاحْفَظْهُمْ بِحِفْظِكَ، وَأَسْبِغْ عَلَيْهِمْ نِعَمَكَ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً، اللهم آمين يا رب العالمين.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
أعده العبد لله/ هاشم بن مسعود بن محمد الراشدي بتاريخ الثامن عشر من شهر ذي القعدة لسنة ألف وأربعمائة وسبعة وأربعين للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
الحَمْدُ للهِ الَّذِي رَفَعَ قَدْرَ العُلَمَاءِ العَامِلِينَ، وَجَعَلَهُمْ وَرَثَةَ الأَنْبِيَاءِ المُرْسَلِينَ، القَائِلِ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، إِمَامِ القُضَاةِ العَادِلِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ مِنْ حَقِّ أَهْلِ الفَضْلِ عَلَيْنَا أَنْ نَذْكُرَهُمْ بِالخَيْرِ، وَنَنْشُرَ مَآثِرَهُمْ، وَنَدْعُوَ لَهُمْ، عَمَلاً بِقَوْلِ المُصْطَفَى ﷺ: «مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفاً فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ»، وَإِنَّ مِمَّنْ حَقَّ عَلَيْنَا الوَفَاءُ لَهُ وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ: فَضِيلَةَ الشَّيْخِ العَلَّامَةِ القَاضِيَ العَادِلَ والمُرَبِّيَ الجليل/ سَيْفَ بْنَ حَمَدِ بْنِ شَيْخَانَ الأَغْبَرِيَّ - تَغَمَّدَهُ اللهُ بِوَاسِعِ رَحْمَتِهِ وَرِضْوَانِهِ - وهو أحد أبرز علماء عمان وقضاتها الكبار في القرن الرابع عشر الهجري، وقد تقلد منصبي الولاية والقضاء في عهد الإمامين الخروصي والخليلي - رحمهما الله -، وكذلك في عهد السلطان سعيد بن تيمور، وسأذكر في هذا المقال القصير بعضا من مآثره وسيرته العطرة في ثلاث نقاط كالتالي:-
أَوَّلاً: جِهَادُهُ فِي نَشْرِ العِلْمِ النَّافِعِ:
لَقَدْ كَانَ الشَّيْخُ -رَحِمَهُ اللهُ- عَلَماً مِنْ أَعْلَامِ العِلْمِ، وَمَنَارَاً يُهْتَدَى بِهَ فِي دَيَاجِيرِ الجَهْلِ، بَذَلَ عُمْرَهُ المُبَارَكَ فِي تَعْلِيمِ النَّاسِ أُمُورَ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، فَكَانَ مَجْلِسُهُ مَدْرَسَةً تَتَفَجَّرُ مِنْهَا يَنَابِيعُ الحِكْمَةِ وَالفِقْهِ، ولَمْ يَدَّخِرْ وُسْعاً فِي بَثِّ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ الأَصِيلِ، مُتَّبِعاً مَنْهَجَ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي التَّأْصِيلِ وَالتَّيْسِيرِ، فَانْتَفَعَ بِعِلْمِهِ القَاصِي وَالدَّانِي، وَخَرَّجَ أَجْيَالاً مِنْ طَلَبَةِ العِلْمِ حَمَلُوا عَنْهُ الأَمَانَةَ وَأَدَّوْهَا، وفي سبيل ذلك دوّن العديد من الكتب الفقهية نظما ونثرا، وهي شاهدة على غزير علمه وعمق فهمه، ومن هذه المؤلفات: 1- فتح الأكمام عن الورد البسام، 2- عقد الدر المنظوم في الفقه والأدب والعلوم، 3- عقد اللآلئ السنية في الأجوبة النثرية، 4- البدر السافر في أحكام صلاة المسافر، 5- فتح الرحمن في الكفارات والأيمان.
وَكَانَت مؤلفاته ودروسه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- تَجْمَعُ بَيْنَ دِقَّةِ الفَقِيهِ، وَبَلَاغَةِ الأَدِيبِ، وَحِلْمِ المُرَبِّي، فَيُقَرِّبُ المَسَائِلَ العَوِيصَةَ بِأُسْلُوبٍ سَهْلٍ مُمْتَنِعٍ، وَيَغْرِسُ فِي نُفُوسِ تَلَامِيذِهِ تَقْوَى اللهِ وَالوَرَعَ قَبْلَ المَسَائِلِ وَالأَحْكَامِ، عَالِماً أَنَّ العِلْمَ بِلَا عَمَلٍ كَالشَّجَرِ بِلَا ثَمَرٍ.
ثَانِياً: إِقَامَتُهُ لِلْعَدْلِ وَالحَقِّ بَيْنَ النَّاسِ:
تَوَلَّى فَضِيلَتُهُ مَنْصِبَ القَضَاءِ، فَكَانَ فِيهِ نِعْمَ القَاضِي العَدْلُ الَّذِي يَخْشَى اللهَ وَلَا يَخْشَى فِي الحَقِّ لَوْمَةَ لَائِمٍ، جَعَلَ العَدْلَ رَائِدَهُ، وَتَقْوَى اللهِ مِيزَانَهُ، فَأَنْصَفَ المَظْلُومَ، وَرَدَعَ الظَّالِمَ، وَأَصْلَحَ ذَاتَ البَيْنِ، فكَانَتْ أَحْكَامُهُ تَتَّسِمُ بِالرُّسُوخِ الفِقْهِيِّ، وَالمَعْرِفَةِ بِوَاقِعِ النَّاسِ، وَالنَّظَرِ فِي المَآلَاتِ، وما تقتضيه سياسة الحكم بين الناس، فَسَكَنَتْ إِلَيْهَا النُّفُوسُ، وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهَا القُلُوبُ، وهناك قضايا ومواقف عديدة وقعت تشهد له بذلك.
وَمَا أَحْوَجَ الأُمَّةَ فِي كُلِّ زَمَانٍ إِلَى أَمْثَالِ هَذَا الطِّرَازِ مِنَ القُضَاةِ الَّذِينَ يَجْمَعُونَ بَيْنَ العِلْمِ الغَزِيرِ، وَالوَرَعِ الشَّدِيدِ، وَالهَيْبَةِ فِي غَيْرِ تَجَبُّرٍ، وَاللِّينِ فِي غَيْرِ ضَعْفٍ، وسرعة اتخاذ القرار بحزم وعزم بعد النظر والتفكّر والتأني فيما يحتاج لذلك بإدراك لتداعيات الحكم وآثاره ونتائجه الحالية والمستقبلية، والفردية والمجتمعية، فَلَقَدْ كَانَ - رَحِمَهُ اللهُ - مِصْدَاقاً لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: *«القُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: اثْنَانِ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الجَنَّةِ: رَجُلٌ عَلِمَ الحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الجَنَّةِ»*²، نَحْسَبُهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ وَلَا نُزَكِّي عَلَى اللهِ أَحَداً.
ثَالِثاً: سَجَايَاهُ الحَمِيدَةُ وَأَخْلَاقُهُ الكَرِيمَةُ:
لَمْ يَكُنْ عَطَاءُ الشَّيْخِ مَقْصُوراً عَلَى مَجَالِسِ العِلْمِ وَالقَضَاءِ، بَلْ كَانَ أَباً حَانِياً، وَمُوَجِّهاً نَاصِحاً، وَمُصْلِحاً اجْتِمَاعِيّاً، عُرِفَ بِالتَّوَاضُعِ الجَمِّ، وَالكَرَمِ الحَاتِمِيِّ، وَالبِشْرِ فِي وُجُوهِ النَّاسِ، وكَانَ بَيْتُهُ مَفْتُوحاً لِلسَّائِلِ وَالمُسْتَفْتِي وَصَاحِبِ الحَاجَةِ، لَا يَرُدُّ قَاصِداً، وَلَا يُخَيِّبُ رَاجِياً، فَجَمَعَ اللهُ لَهُ بَيْنَ مَحَبَّةِ الخَاصَّةِ وَالعَامَّةِ.
ومن القصص العجيبة التي تروى عنه رحمه الله، والتي تدل على إيمانه ويقينه القوي بالله تعالى، واهتمامه بشأن الناس في الشدائد، وهو ما حدث بولاية دماء والطائيين في سنة 1341 للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، حيث تفشى مرض الطاعون بين الناس، وظل قرابة الستة أشهر يفتك فيهم، فمات ما يقرب من أربعمائة نسمة، فدعا الشيخ رحمه الله الناس إلى الخروج بصدقاتهم، فصلى بهم وخطب واعظا، ثم دعا الله طويلا أن يرفع الله عنهم البلاء والمرض، فاستجاب الله لهم ورفع عنهم البلاء.
خَاتِمَةٌ وَدُعَاءٌ
وبيوم الاثنين 22 من شهر ذي القعدة لعام 1380 للهجرة النبوية الموافق 8 مايو لعام ١٩٦١ للميلاد توفي الشيخ بعد عمر ناهز السبعين عاما، تاركا آثارا عظيمة ستبقى شاهدة عليه ينال أجرها وثوابها عند الله حتى قيام الساعة، فقد رحل الشيخ رحمه الله ببدنه، وذكراه ما تزال باقية ولله در القائل:
حيٌّ وإن مات ذو علم وذو ورع
ما مات عبدٌ قضى من ذاك أوطارا
وفي الختام نسأل الله العلي القدير الحَيُّ قَيُّومُ، ذي الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ أن يرحم الشَّيْخَ رَحْمَةً وَاسِعَةً، وَيغْفِرَ لَهُ، وَيعفوَ عَنْهُ، وَيكْرِمَ نُزُلَهُ، وَيوَسِّعَ مُدْخَلَهُ، وَيجْعَلَ قَبْرَهُ رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، اللَّهُمَّ اجْزِهِ عَنِ الإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ خَيْرَ الجَزَاءِ، وَاجْعَلْ مَا قَدَّمَهُ مِنْ عِلْمٍ نَافِعٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ فِي مِيزَانِ حَسَنَاتِهِ، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة يا رب العالمين، وَتَقَبَّلْهُ فِي الصَّالِحِينَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي عِلِّيِّينَ، مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً
اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي ذُرِّيَّتِهِ وَعَقِبِهِ، وَاجْعَلْهُمْ خَيْرَ خَلَفٍ لِخَيْرِ سَلَفٍ، وَأَنْبِتْهُمْ نَبَاتاً حَسَناً، وَاجْعَلْهُمْ هُدَاةً مُهْتَدِينَ، غير ضالين ولا مضلين، وَارْزُقْهُمُ العِلْمَ النَّافِعَ وَالعَمَلَ الصَّالِحَ، وَاحْفَظْهُمْ بِحِفْظِكَ، وَأَسْبِغْ عَلَيْهِمْ نِعَمَكَ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً، اللهم آمين يا رب العالمين.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
أعده العبد لله/ هاشم بن مسعود بن محمد الراشدي بتاريخ الثامن عشر من شهر ذي القعدة لسنة ألف وأربعمائة وسبعة وأربعين للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
