المقالات والتحليلات

الورق يغادر أروقة القضاء… والعدالة تفتح صفحتها الرقمية

نشر في 18|10|2026 55 قراءة
الورق يغادر أروقة القضاء… والعدالة تفتح صفحتها الرقمية
حين تنتقل القضية من ملف ورقي يُحمل بين المكاتب إلى ملف إلكتروني تُدار من خلاله الإجراءات وتُتابع المستندات والقرارات، يتغير معها إيقاع العمل في المحكمة، وتتسع قدرة المتعامل على الوصول إلى الخدمة. هذه هي النقلة النوعية التي يشهدها المجلس الأعلى للقضاء؛ انتقال من الاعتماد على الورق في إدارة القضايا إلى منظومة إلكترونية متكاملة، يمتد أثرها إلى أداء المحاكم، وعمل المحامين، وتجربة المتقاضين، وإلى الوقت والجهد والكلفة التي تتطلبها رحلة الوصول إلى العدالة.

وفي قلب هذا التحول يقف برنامج إدارة القضايا، بما شهده من تطوير متواصل جعل العمل الإلكتروني أساسا لإدارة ملفات الدعاوى ومتابعة إجراءاتها. فالقيد، وإيداع المستندات، وتنظيم بيانات القضايا وجلساتها، وحفظ الأحكام والرجوع إليها، ترتبط في مسار رقمي يتيح تداول المعلومات ومتابعتها بيسر أكبر. وتتضح أهمية هذه النقلة كلما اتسع حجم العمل؛ فآلاف الملفات التي تتطلب الحفظ والنقل والاسترجاع تصبح ضمن بيئة إلكترونية تساعد على ضبط الإجراءات، وتختصر كثيرا من الأعمال التي كان يستغرقها التعامل مع الملف الورقي.

وقد انعكس ذلك على العمل داخل المحاكم؛ إذ أصبحت سهولة الوصول إلى مستندات الدعوى وتتبع ما اتخذ فيها من إجراءات عنصرا مساندا للقاضي في دراسة ملفه، ولأمين السر والموظف في أداء مهامه ومتابعة ما يتصل بها. كما تهيئ البيانات المنظمة مجالا أوسع للمتابعة الإدارية، وقياس حجم العمل، ورصد مواضع التأخر ومعالجتها. ومن قراءة هذه الآثار يتضح كيف تخدم التقنية العدالة الناجزة، حين تقلل الوقت المستهلك في تداول الملف والبحث عن المعلومة، وتتيح توجيه جهد أكبر إلى العمل القضائي نفسه.

وتقف وراء هذا الحراك جهود متواصلة تبذلها الأمانة العامة للمجلس الأعلى للقضاء في متابعة مشروعات التحول الرقمي ، ويتكامل هذا الدور مع تعاون أصحاب الفضيلة القضاة والموظفين بمختلف مواقعهم، وما يبذلونه في تطبيق الأنظمة وتطوير الممارسة وإثرائها بالملاحظات والمقترحات. فخبرة القاضي في إدارة الدعوى، ومعرفة الموظف بتفاصيل الإجراء، وجهد المختص التقني في تطوير النظام، تتضافر جميعها لإنجاح التحول. وفي هذا العمل المشترك يستحق الجميع التقدير؛ لأن كل إسهام في تحسين إجراء، أو معالجة ملاحظة، أو تسهيل خدمة، يترك أثره في المنظومة وفي تجربة من يلجأ إليها.

وقد اتسع أثر برنامج إدارة القضايا خارج المحاكم مع تطوير بوابة “قضاء” وإتاحتها لعموم المتعاملين، بعد أن كانت نافذة الاستفادة من خدمات البرنامج مخصصة للمحامين. ورسخ القرار رقم (١٥٠) لسنة ٢٠٢٥ بشأن البوابة الإلكترونية للمتقاضين “قضاء” هذا المسار، بنصه على إنشاء بوابة تقدم من خلالها خدمات المجلس إلكترونيا، والعمل به اعتبارا من ٠٦|٠٣|٢٠٢٥. وبهذه الخطوة أصبح صاحب العلاقة أقدر على مباشرة الخدمات المتاحة له ومتابعتها وفق صفته والضوابط المقررة، واتسعت دائرة الوصول إلى المرفق القضائي.

وتحمل هذه الإتاحة معنى عمليا يلمسه الناس؛ فمتابعة القضية من المنزل، وتقديم الطلب من المكتب، وإرفاق المستند إلكترونيا، تختصر زيارات وما يصاحبها من نفقات انتقال وانتظار وتعطل عن العمل. ويستفيد المحامي من تنظيم متابعته للقضايا وتوفير الوقت اللازم لدراستها وإعداد دفاعه، كما يستفيد المتقاضي من وضوح ما يجري في معاملته وسهولة متابعة مستجداتها. ومع اتساع هذه الخدمات تنحسر أعباء كانت تزيد مشقة المطالبة بالحق، وتصبح الخدمة أقرب إلى أصحابها على اختلاف أماكن وجودهم.

وتتعزز هذه النقلة بالتكامل الإلكتروني مع الجهات ذات العلاقة، ومنها شرطة عُمان السلطانية، ووزارة الإسكان والتخطيط العمراني، ووزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، ووزارة العمل، ووزارة العدل والشؤون القانونية، كل في نطاق الخدمات والبيانات المتصلة باختصاصه. ويكمن الأثر العملي لهذا التكامل في تيسير تبادل البيانات اللازمة للإجراءات القضائية والتنفيذية، وتسريع التحقق منها، وتقليل الحاجة إلى تكرار تقديمها وإدخالها. وبذلك يمتد تبسيط الإجراء عبر الجهات التي يتطلب إنجازه التعامل معها.

ومع سهولة الوصول تنمو الشفافية؛ إذ يستطيع صاحب العلاقة متابعة حالة طلبه، ومعرفة ما يلزم لاستكماله، وفهم موقعه في مسار الإجراء. ويساعد تسجيل الأعمال إلكترونيا على تتبعها ومراجعتها، ويمنح القائمين على إدارة المرفق أدوات أوضح للمتابعة والتحسين. وتجتمع هذه المزايا مع تنظيم صلاحيات الاطلاع والمحافظة على سرية البيانات، لتكون الخدمة أكثر وضوحا للمتعامل وأكثر قابلية للضبط داخل المؤسسة.

وفي أعمال الكاتب بالعدل، جسدت منصة “توثيق” امتداد هذه النقلة إلى خدمات تمس الحياة اليومية للأفراد والمؤسسات. فقد يسرت تقديم طلبات الوكالات والإقرارات والمحررات، وإرفاق مستنداتها ومتابعتها، وأتاحت الاتصال المرئي في المعاملات التي تقبل إنجازها بهذه الوسيلة. ويعزز تكاملها مع الجهات المعنية، ومنها وزارة العدل والشؤون القانونية ووزارة الصحة وشرطة عُمان السلطانية، سهولة استكمال الإجراءات. وتظهر قيمة هذا التطور لدى من كانت المسافة أو ظروفه الصحية أو التزاماته تجعل الوصول إلى دائرة الكاتب بالعدل عبئا؛ إذ أصبحت الخدمات المتاحة عن بُعد تصل إليه بوسيلة أيسر.

وفي محكمة الاستثمار والتجارة، تلتقي الإدارة الإلكترونية مع التخصص القضائي في تجربة تستجيب لطبيعة الأعمال وسرعة حركتها. فالبوابة الإلكترونية للمحكمة تتيح قيد الدعاوى والطلبات والطعون، وإيداع المذكرات والمستندات، واستلام الأحكام والصيغ التنفيذية، ومتابعة الجلسات وطلبات التنفيذ. كما يدعم تكاملها مع الجهات الحكومية جلب بيانات الأطراف والشركات إلكترونيا. ويمنح هذا المسار المستثمر والمحامي وصاحب العمل قدرة أكبر على مباشرة الإجراءات ومتابعتها، ويدعم الثقة في بيئة قضائية تراعي قيمة الوقت وأثره في المصالح الاقتصادية.

ويأتي برنامج “تركة” ليواصل هذا التحول في أعمال تتصل بحقوق الورثة وأموال القُصّر، مع تفعيل مرحلته الأولى في العام القضائي ٢٠٢٦–٢٠٢٧. وقد صدر القرار رقم (٤٤٣) لسنة ٢٠٢٦ بشأن التحول الرقمي لخدمات أقسام التركات، مقررا تقديم هذه الخدمات إلكترونيا والعمل به اعتبارا من ٠١|١٠|٢٠٢٦. ومن شأن تنظيم ملفات التركات وإجراءاتها رقميا، مع توسع التطبيق، أن ييسر متابعتها واسترجاع بياناتها، ويدعم دقة العمل وسرعة إنجاز المعاملات. وهي نقلة تكتسب أهميتها من اتصالها المباشر بأموال الأسر وحقوق المستحقين وما تتطلبه من حفظ وعناية.

ويكشف اتساع هذه المشروعات عن حجم الحراك الذي يعيشه المجلس؛ فقد بلغت نسبة رقمنة الخدمات القضائية والعدلية، وفق المؤشرات المنشورة مع بداية العام القضائي ٢٠٢٦–٢٠٢٧، نحو ٨٩٪، وتجاوز عدد المستخدمين النشطين لبوابة “قضاء” ١٣٧ ألف مستخدم. وتوضح هذه المؤشرات مدى حضور الخدمات الرقمية في العمل اليومي، واتساع دائرة المستفيدين منها، فيما يفتح التطوير المتواصل مجالا لاستكمال الخدمات وتحسين تجربة استخدامها.

وتتعدد آثار هذه النقلة بتعدد من يتعامل معها؛ فهي ترفع كفاءة إدارة القضايا داخل المحاكم، وتيسر عمل المحامين، وتخفف الأعباء على المتقاضين، وتدعم وضوح الإجراءات والثقة في متابعتها. كما يسهم الحد من تداول الورق في تخفيف متطلبات الطباعة والحفظ والنقل، ويوفر تنظيم البيانات أساسا أدق للتخطيط وتوجيه الموارد. وفي اجتماع هذه الآثار تتجلى القيمة المؤسسية والاقتصادية والاجتماعية للتحول الرقمي، ويتضح ارتباطه بتحقيق العدالة الناجزة.

وحين يطوي المجلس الأعلى للقضاء صفحة الاعتماد على الورق في إدارة القضايا، فإنه يفتح أمام المرفق القضائي مجالا أرحب للعمل والإنجاز. وما تمنحه هذه النقلة للناس يُقاس بوقت يستعيدونه، وإجراء يسهل عليهم، ومعلومة يصلون إليها، وثقة تتعزز في متابعة حقوقهم. وتبقى وراء كل ذلك جهود الأمانة العامة، وتعاون القضاة والموظفين، وإسهامات من يعملون على تطوير هذه المنظومة واستمرارها. فالمنجز الذي تصنعه التقنية يكتمل حين يشعر الإنسان بأن طريقه إلى العدالة أصبح أقصر وأوضح.