المقالات والتحليلاتحرية التعبير والمسؤولية القانونية في الفضاء الرقمي
حرية التعبير في الفضاء الرقمي
لم تعد الكلمة في العصر الرقمي حبيسة مجلسٍ محدود، ولا رأيًا عابرًا ينتهي بانتهاء قائله، بل أصبحت قادرة على أن تعبر الحدود في لحظات، وأن تصل إلى آلاف الناس وربما ملايينهم، وأن تتحول من موقف فردي إلى موجة اجتماعية مؤثرة، ومن تعليق قصير إلى قضية رأي عام. ومع هذا الاتساع غير المسبوق في أثر الكلمة، أصبحت حرية التعبير في الفضاء الرقمي من أكثر القضايا التي تحتاج إلى وعي دقيق يوازن بين حق الإنسان في إبداء رأيه، وحق المجتمع في الأمن والسكينة وصون الكرامة والحقوق.
فالفضاء الرقمي لم يخلق حرية التعبير، لكنه منحها أدوات جديدة، وسرعة أكبر، ونطاقًا أوسع، وقدرة غير مسبوقة على التأثير. وبقدر ما أتاح للإنسان أن يعبر عن أفكاره، ويناقش الشأن العام، وينتقد الظواهر والممارسات، وينقل المعرفة، ويشارك في الحوار المجتمعي، فقد أتاح في الوقت نفسه إمكان إساءة استخدام هذه الحرية بصورة قد تكون أشد أثرًا من الوسائل التقليدية؛ لأن ما ينشر في المنصات الرقمية يمكن أن يُنسخ ويُعاد نشره ويحفظ ويتداول على نطاق واسع، حتى بعد أن يظن صاحبه أنه قد محاه.
ومن هنا، فإن الحديث عن حرية التعبير في العالم الرقمي لا ينبغي أن يبدأ بالسؤال: هل للإنسان أن يقول ما يشاء؟ بل بالسؤال الأعمق: كيف يمارس الإنسان حقه في التعبير دون أن يتحول هذا الحق إلى وسيلة للإضرار بالآخرين أو بالمجتمع؟
الحرية ليست انفلاتًا من المسؤولية
من الأخطاء الشائعة النظر إلى حرية التعبير باعتبارها حقًا مطلقًا لا يقف عند حد، وكأن وصف الكلام بأنه «رأي» يكفي وحده لإخراجه من دائرة المسؤولية القانونية والأخلاقية. والحقيقة أن الحقوق لا تُفهم بمعزل عن غيرها من الحقوق، ولا يمكن أن تمارس حرية فرد على نحو يهدر كرامة فرد آخر، أو يعتدي على خصوصيته، أو يشوه سمعته، أو يهدد أمن المجتمع واستقراره.
فالإنسان حر في أن ينتقد فكرة، أو قرارًا، أو أداءً، أو ظاهرة عامة، وأن يعبر عن عدم رضاه، وأن يناقش القضايا التي تهمه، وأن يدافع عن موقفه بالحجة والبيان. غير أن المسافة بين النقد والإساءة ليست دائمًا بعيدة.
النقد يتجه إلى الفعل، أما الإساءة فتتجه إلى الشخص.
النقد يناقش، أما التشهير فيحطم السمعة.
النقد يستند إلى وقائع أو رأي قابل للنقاش، أما القذف فينسب إلى الإنسان ما يمس اعتباره دون سند.
والاختلاف يفتح مساحة للحوار، أما خطاب الكراهية فيغلقها ويزرع محلها العداوة.
لهذا فإن القانون حين يضع قيودًا على بعض صور التعبير، فإنه لا يستهدف الرأي في ذاته، وإنما يواجه ما قد يصاحب التعبير من اعتداء على مصالح وحقوق يحميها القانون.
الفضاء الرقمي يضاعف أثر الكلمة
قد يقول الإنسان كلمة في مجلس محدود ثم تنتهي في حدود سامعيها، لكن الكلمة ذاتها إذا كُتبت في منصة رقمية قد تتحول خلال دقائق إلى مادة متداولة على نطاق واسع.
وهنا تكمن خصوصية التعبير الرقمي.
فالمستخدم قد يكتب تغريدة في لحظة انفعال، أو يعيد نشر مقطع دون التحقق من محتواه، أو يشارك صورة لشخص دون رضاه، أو ينقل معلومة لم يتأكد من صحتها، ثم يكتشف أن ما نشره خرج تمامًا عن نطاق سيطرته.
وقد تكون ضغطة واحدة على زر «إعادة النشر» كافية لإيصال محتوى غير مشروع إلى جمهور جديد.
ومن ثم، فإن المسؤولية في الفضاء الرقمي لا ترتبط دائمًا بإنشاء المحتوى من الأصل، وإنما قد تثور بحسب الأحوال كذلك عند نشره أو إعادة تداوله أو المساهمة في توسيع نطاق وصوله.
ولذلك فإن الوعي الرقمي الحقيقي لا يقاس فقط بقدرة الإنسان على استخدام التقنية، وإنما بقدرته على تقدير أثر ما ينشره قبل أن ينشره.
بين النقد المشروع والإساءة المحظورة
للمجتمعات الحية أن تختلف، وللأفراد أن ينتقدوا، بل إن النقد المسؤول يمثل عنصرًا مهمًا في تطوير المؤسسات وتصحيح الممارسات وكشف جوانب القصور.
غير أن النقد يفقد قيمته عندما يتحول من مناقشة الموضوع إلى النيل من الأشخاص.
فمن حق الإنسان أن يقول: إن خدمة معينة تحتاج إلى تحسين، أو إن قرارًا ما لم يحقق الهدف المرجو منه، أو إن إجراءً معينًا تسبب في صعوبة للمستفيدين.
لكن الأمر يختلف حين يتحول الخطاب إلى شتائم، أو أوصاف مهينة، أو اتهامات جزافية، أو تشهير بالأشخاص، أو الدعوة إلى ازدرائهم.
والحجة لا تحتاج إلى إهانة كي تكون قوية، والرأي لا يصبح أكثر إقناعًا حين يُحمَّل بالإساءة.
بل إن اللغة المسيئة غالبًا ما تضعف الفكرة التي يحاول صاحبها الدفاع عنها؛ لأنها تنقل النقاش من مضمون القضية إلى أسلوب التعبير عنها.
لا حصانة لعبارة «هذا رأيي»
من أكثر العبارات تردادًا في المنصات الرقمية بعد نشر محتوى مثير للجدل قول صاحبه: «هذا مجرد رأيي».
غير أن وصف الكلام بأنه رأي لا يمنحه حصانة قانونية تلقائية.
فالرأي قد يكون مشروعًا، وقد تتضمن الطريقة التي عبّر بها صاحبه عنه سلوكًا مؤثمًا.
فإذا تضمن التعبير سبًا أو قذفًا أو تهديدًا أو تحريضًا أو نشرًا لمحتوى يمس الحياة الخاصة أو الآداب العامة أو غير ذلك من الأفعال التي يجرمها القانون، فإن تسميته «رأيًا» لا تغير من طبيعته القانونية.
العبرة ليست بالعنوان الذي يضعه صاحب المحتوى لما نشره، وإنما بحقيقة المضمون وأثره والظروف التي صدر فيها.
ولهذا لا توجد عبارة سحرية تحول الفعل غير المشروع إلى فعل مباح.
الاختلاف لا يبرر الكراهية
تتعدد في المجتمع الآراء والأفكار والتوجهات والاجتهادات، وهذا التنوع أمر طبيعي لا يمكن أن تستقيم الحياة بدونه.
لكن أخطر ما قد يصيب الحوار الرقمي هو أن يتحول الاختلاف الفكري إلى خصومة اجتماعية، ثم إلى ازدراء، ثم إلى خطاب يقوم على تصنيف الناس والتحريض عليهم وإثارة الأحقاد بينهم.
وحين يُفتح للفتنة باب باسم الرأي، ويُلبس التعصب ثوب النقاش، تصبح الكلمة خطرًا يتجاوز صاحبها إلى أمن المجتمع ووحدته.
فما يزرع الكراهية، أو يثير النعرات، أو يؤجج الفرقة، لا يكتسب المشروعية لمجرد أنه كُتب في صورة منشور أو تعليق أو وسم.
المجتمع لا يحتاج إلى رأي واحد، ولكنه يحتاج إلى اختلاف لا يهدم وحدته.
ويمكن للإنسان أن يتمسك بموقفه بقوة دون أن يحتقر مخالفه، وأن يناقش أكثر القضايا حساسية دون أن يتحول إلى أداة للفرقة.
السمعة والكرامة ليستا مباحتين على الإنترنت
أحيانًا يتعامل بعض المستخدمين مع الأشخاص الظاهرين في الفضاء الرقمي وكأن حياتهم أصبحت ملكًا للجمهور، فيستباح الحديث في شؤونهم الخاصة، وتُتداول صورهم، وتُطلق عليهم الاتهامات، وتُنشر الأخبار المتعلقة بهم قبل التحقق منها.
لكن وجود الإنسان في منصة عامة لا يسقط عنه حقه في الكرامة والخصوصية.
وليس كل ما يصل إلى هاتفك يجوز لك نشره.
وليست كل محادثة يمكنك تصويرها يجوز لك مشاركتها.
وليست كل معلومة تعرفها عن شخص يجوز لك تحويلها إلى مادة عامة.
فالتقنية سهلت الوصول إلى المعلومات، لكنها لم تلغ الحدود القانونية والأخلاقية التي تحمي الإنسان من الاعتداء على حياته الخاصة وسمعته واعتباره.
سرعة النشر لا تعفي من التثبت
من خصائص منصات التواصل أنها تشجع على التفاعل السريع، وأحيانًا يكون السباق إلى النشر أهم لدى البعض من التأكد من صحة ما ينشر.
وهنا تنشأ واحدة من أخطر صور المسؤولية الرقمية: نشر الشائعة.
فخبر غير صحيح قد يؤذي شخصًا، أو يثير القلق، أو يضر بسمعة مؤسسة، أو يخلق حالة من البلبلة لا يمكن تدارك آثارها بسهولة.
ولذلك ينبغي أن يكون السؤال السابق للنشر دائمًا:
هل هذه المعلومة صحيحة؟
ما مصدرها؟
هل يحق لي نشرها؟
ما الأثر الذي قد يترتب عليها؟
فليس كل ما يُرسل إلينا حقيقة، وليس كل ما يتداوله الناس يصبح صحيحًا بكثرة تداوله.
وقد يكون التوقف دقيقة واحدة للتحقق خيرًا من اعتذار لا يعيد ضررًا وقع ولا سمعة أُسيء إليها.
الحساب الوهمي لا يلغي المسؤولية
يعتقد البعض أن استخدام اسم مستعار أو حساب مجهول يوفر له مساحة آمنة لقول ما لا يستطيع قوله باسمه الحقيقي.
لكن التخفي الرقمي لا يحول الفعل غير المشروع إلى فعل مشروع.
فالفضاء الإلكتروني ليس فضاءً خارج القانون، كما أن وسائل التقنية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها ستارًا دائمًا يمنع مساءلة من يسيء استخدامها.
والقاعدة الأهم هنا ليست: «هل يمكن الوصول إليّ؟» وإنما: «هل ما أفعله مشروع من الأصل؟»
فمن يبني سلوكه على احتمال الإفلات من المساءلة يخطئ في فهم الحرية وفي فهم التقنية معًا.
الحرية المسؤولة هي الأقوى
لا تحتاج حرية التعبير إلى الإساءة لكي تثبت وجودها.
بل إن أقوى التعبير هو ذلك الذي يستطيع أن يكون واضحًا وحازمًا وجريئًا، وفي الوقت ذاته منضبطًا ومحترمًا.
الكلمة المسؤولة ليست كلمة خائفة، وإنما كلمة تعرف مقصدها وحدودها.
والمستخدم الواعي ليس من يمتنع عن النقد، بل من يعرف كيف ينتقد دون أن يعتدي، وكيف يعارض دون أن يهين، وكيف يكشف الخطأ دون أن يختلق الوقائع، وكيف يدافع عن قضيته دون أن يحول الآخرين إلى أهداف للإساءة.
إن الفرق بين التعبير المسؤول وغير المسؤول قد يكون أحيانًا كلمة واحدة، أو صورة واحدة، أو تعليقًا كُتب في لحظة غضب.
ولهذا فإن ضبط النفس في العالم الرقمي ليس ضعفًا، بل وعي.
القانون لا يعاقب على مجرد الاختلاف
من الضروري أيضًا ألا يؤدي الحديث عن المسؤولية إلى خلق تصور مضاد مفاده أن كل رأي ناقد أو مخالف يمثل جريمة.
فالأصل أن مساحة التعبير تتسع للنقد والحوار والمناقشة والاختلاف، وأن المسؤولية لا تقوم لمجرد عدم رضا الآخرين عن الرأي.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز الدقيق بين المحتوى الصادم أو الحاد أو المخالف من جهة، وبين المحتوى الذي يتجاوز الحدود التي رسمها القانون من جهة أخرى.
وقد يكون رأي ما غير محبوب، أو شديد اللهجة، أو مخالفًا للسائد، دون أن يكون بالضرورة فعلًا مجرمًا.
فالمعيار القانوني ليس مدى قبول الناس للرأي، وإنما مدى انطباق النص القانوني على السلوك في ظروفه وملابساته.
وهذا التوازن هو الذي يحفظ في آن واحد مساحة التعبير، ويحمي المجتمع من إساءة استعمالها.
قبل أن تنشر
ربما تكون أعظم قاعدة في السلوك الرقمي هي أن نتعامل مع المنشور كما لو أنه لن يُمحى أبدًا.
قبل أن تضغط زر النشر، اسأل نفسك:
هل أملك دليلًا على ما أقوله؟
هل أنا أناقش الفكرة أم أهاجم الشخص؟
هل يتضمن كلامي اتهامًا لا أستطيع إثباته؟
هل أكشف معلومة خاصة؟
هل يمكن أن يؤدي هذا المحتوى إلى التحريض أو الكراهية أو الإضرار بالآخرين؟
وهل سأكون مستعدًا لتحمل مسؤولية هذا الكلام لو نُسب إليّ أمام الجميع؟
إذا كان الجواب يثير التردد، فربما يكون التوقف عن النشر هو القرار الأكثر حكمة.
الكلمة الرقمية أثر باقٍ
ما يُكتب في الفضاء الرقمي قد يستغرق ثواني، لكنه قد يبقى سنوات.
قد يُحذف المنشور ويبقى في صورة شاشة.
قد يُغلق الحساب ويبقى المحتوى متداولًا.
وقد يعتذر الإنسان عن عبارة قالها، لكن الاعتذار لا يملك دائمًا القدرة على محو جميع آثارها.
لذلك فإن ثقافة المسؤولية الرقمية ينبغي ألا تبنى على الخوف من العقوبة وحدها، وإنما على إدراك قيمة الكلمة.
فالكلمة يمكن أن تنصف أو تظلم، أن تصلح أو تفسد، أن تهدئ أو تشعل، وأن تكون بابًا للوعي أو سببًا للفتنة.
خاتمة
حرية التعبير في الفضاء الرقمي مكسب مهم لا غنى عنه في مجتمع يتطلع إلى المعرفة والحوار والمشاركة، لكنها لا تؤدي رسالتها الحقيقية إلا حين تقترن بالمسؤولية.
فلا حرية حقيقية في الاعتداء على كرامة الآخرين، ولا رأي مشروع في الافتراء عليهم، ولا نقد مسؤول في نشر الكراهية، ولا شجاعة في استخدام الشاشة ستارًا للإساءة.
إن المجتمع الذي يحمي حرية التعبير لا يحمي الإساءة، والمجتمع الذي يجرم بعض صور التعبير لا يعني أنه يجرم الاختلاف؛ بل يرسم الحدود التي تنتهي عندها حرية الإنسان عندما تبدأ حقوق غيره ومصالح المجتمع الجديرة بالحماية.
وفي عالم أصبحت فيه الكلمة أسرع من أي وقت مضى، تصبح المسؤولية عنها أعظم من أي وقت مضى.
فحرية التعبير ليست أن تقول كل ما تستطيع قوله، وإنما أن تعرف ما يحق لك أن تقول، وكيف تقوله، وأن تدرك أن وراء كل شاشة قانونًا، ووراء كل كلمة مسؤولية، ووراء كل حق حدودًا تحفظ للحرية قيمتها وللمجتمع تماسكه.
قراءة المزيد ←